أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
128
نثر الدر في المحاضرات
قيل لبعضهم : متى تطيعك الدنيا ؟ قال : إذا عصيتها . قال آخر : ربّ مغبوط بنعمة هي داؤه ، ورب محسود على حال هي بلاؤه ، وربّ مرحوم من سقم هو شفاؤه . قالوا : إذا أراد اللّه أن يسلّط على عبده عدوا لا يرحمه سلّط عليه حاسدا . وكان يقال في الدعاء على الرّجل : طلبك من لا يقصّر دون الظّفر ، وحسدك من لا ينام دون الشّقاء . قال محمد بن كعب : إذا أراد اللّه بعبد خيرا زهّده في الدنيا وفقّهه في الدين ، وبصّره عيوبه . قال مالك بن دينار « 1 » : من طلب العلم لنفسه فالقليل يكفي ، ومن طلبه للناس فحوائج النّاس كثيرة . قال رجل لآخر : إني أتيتك في حاجة فإن شئت قضيتها وكنّا جميعا كريمين ، وإن شئت منعتها وكنا جميعا لئيمين . قال بعض النّساك : قد أعياني أن أنزل على رجل يعلم أني لا آكل من رزقه شيئا . قيل : مثل شرب الدواء مثل الصابون للثّوب ينقّيه ولكن يخلقه . كان يقال : النظر يحتاج إلى القبول ، والحسب إلى الأدب ، والسّرور إلى الأمن ، والقربى إلى المودّة ، والمعرفة إلى التجارب ، والشّرف إلى التواضع والنجدة إلى الجد . قال بعضهم : أعناق الأمور تشابه في الغيوب ؛ فربّ محبوب في مكروه ومكروه في محبوب ، وكم من مغبوط بنعمة هي داؤه ؛ ومرحوم من داء فيه شفاؤه . وقيل : ربّ خير في شرّ ، ونفع في ضر .
--> ( 1 ) هو أبو يحيى مالك بن دينار السامي الناجي ، تابعي من البصرة ، الزاهد المعروف . توفي سنة 127 ه . ( انظر ترجمته : في البداية والنهاية 10 / 27 ، تاريخ التراث العربي 1 / 4 / 99 ، الكواكب الدرية 1 / 277 ، كتاب المعارف لابن قتيبة ص 470 ، حلية الأولياء 2 / 357 ، شذرات الذهب 1 / 173 .